أحمد بن محمد المقري التلمساني
16
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
ولي بغرناطة حبيب * قد غلق الرهن في يديه « 1 » ودعته وهو في دلال * يظهر لي بعض ما لديه فلو ترى طلّ نرجسيه * ينهلّ في ورد وجنتيه أبصرت درّا على عقيق * من دمعه فوق صفحتيه وله رحلة مشهورة بأيدي الناس . ولما وصل بغداد تذكر بلده ، فقال : [ بحر الطويل ] سقى اللّه باب الطاق صوب غمامة * وردّ إلى الأوطان كل غريب « 2 » [ ابن جبير يصف دمشق ] وقال في رحلته في حق دمشق : جنة المشرق « 3 » ، ومطلع حسنه المونق المشرق ، هي خاتمه بلاد الإسلام التي استقريناها ، وعروس المدن التي اجتليناها [ التي ] « 4 » قد تحلّت بأزاهير الرياحين ، وتجلت في حلل سندسية من البساتين ، وحلت من موضع الحسن بمكان مكين ، وتزينت في منصتها أجمل تزيين ، وتشرفت بأن آوى اللّه تعالى المسيح وأمّه منها إلى ربوة ذات قرار ومعين ، ظل ظليل ، وماء سلسبيل ، تناسب مذانبه « 5 » انسياب الأراقم بكل سبيل ، ورياض يحيي النفوس نسيمها العليل ، تتبرج لناظريها بمجتلى صقيل ، وتناديهم هلموا إلى معرّس للحسن ومقيل ، قد سئمت أرضها كثرة الماء ، حتى اشتاقت إلى الظّمإ ، فتكاد تناديك بها الصمّ الصلاب ، أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ، قد أحدقت بها البساتين إحداق الهالة بالقمر ، واكتنفتها اكتناف الكمامة « 6 » للزهر ، وامتدّت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر ، فكلّ موقع لحظة بجهاتها الأربع نظرته اليانعة قيد النظر ، وللّه صدق القائلين فيها : إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك فيها ، وإن كانت في السماء فهي بحيث تسامتها « 7 » وتحاذيها . قال العلامة ابن جابر الوادي آشي ، بعد ذكره وصف ابن جبير لدمشق ، ما نصه : ولقد أحسن فيما وصف منها وأجاد ، وتوّق الأنفس للتطلع على صورتها بما أفاد ، هذا ولم تكن بها
--> ( 1 ) غلق الرهن : لم يقدر الراهن على تخليصه فصار ملكا للمرتهن . ( 2 ) باب الطاق : محلة كبيرة ببغداد بالجانب الشرقي ( انظر معجم البلدان ج 1 ص 308 ) . ( 3 ) المونق : المعجب بحسنه ورونقه . ( 4 ) التي : ساقطة من ب . ( 5 ) المذانب جمع مذنب وهو مسيل الماء . ( 6 ) اكتنفتها : أحاطت بها . والكمامة : غلاف الزهرة . ( 7 ) تسامتها : على سمتها أي جهتها .